ابن ميثم البحراني
82
شرح نهج البلاغة
عن عجز عظيم وضعف في القلب عن مقاومته لا جرم أثبت العجز وضعف القلب لامرء مكَّن عدوّه من نفسه وأكدّ ذلك بأنّ ، وبالقسم البارّ ، وكنّى بضعف القلب عن الجبن وأتى بذلك الإثبات على وجه عامّ لكلّ امرء فعل ذلك ولم يخصّهم بالخطاب ولا نسب تمكين العدوّ إليهم صريحا وإن كانوا هم المقصودين بذلك رجاء لنفارهم عن الدخول تحت هذا العموم بالانقياد لأمره والجهاد . ثمّ أردفه بالأمر أن يكونوا ذلك المرء الَّذي وصفه بما وصفه أمرا على سبيل التهديد والتنفير ، وذلك قوله : أنت فكن ذاك إن شئت . أي ذاك المرء الموصوف بالعجز والضعف . خطاب للشخص المطلق الصادق على أيّ واحد منهم كان وأمر له أن يكون بصفة المرء الموصوف أوّلا تنفيرا له عمّا ذكره ممّا يلزم الإنسان من الأحوال الرديئة عند تمكينه عدوّه من نفسه . وروى : أنّه خاطب بقوله : أنت فكن ذاك . الأشعث بن قيس . فإنّه روى : أنّه قال وهو يخطب ويلوم الناس عن تقاعدهم عن الحرب : هلَّا فعلت فعل ابن عفان فقال عليه السّلام له : إنّ فعل ابن عفان مخزاة على من لا دين له ولا وثيقة معه ، وإنّ امرء أمكن عدوّه من نفسه يهشم عظمه ويفرى جلده لضعيف رأيه ما فوق عقله أنت فكن ذاك إن شئت . الفصل . وقوله . فأمّا أنا . إلى قوله : ما يشاء . لما خيّرهم أن يكونوا ذلك المرء على سبيل التهديد أردف ذلك بالتبرّء من حال المرء المذكور ليكون لهم به عليه السّلام أسوة في النفار عن تمكين العدوّ من أنفسهم إلَّا بعد بذل النفس في الجهاد أي على تقدير اختيار المخاطب تلك الحال فإنّه هو لا يختار ذلك الحال بل دون أن يعطى عدوّه من نفسه ذلك التمكين ضرب بالمشرّفية يطير منه الهام وتطيح منه السواعد والأقدام ، وكلّ ذلك كناية عن أشدّ المجاهدة ، ويفعل اللَّه بعد ذلك الجهاد والمناجزة ما يشاء من تمكين العدوّ أو عدم تمكينه فإنّ إليه مصير الأمور وعواقبها . وقوله : أيّها الناس . إلى آخره . ذكر ما لهم عليه من الحقّ وما له عليهم منه ليعرفهم أنّه أدّى ما عليه من الواجب لهم فينبغي لهم أن يخرجوا إليه من واجب حقّه الَّذي فرض اللَّه عليهم فبدء ببيان حقّهم